مظاهرات الحريديم: صراع داخلي ينعكس بمعارضة التجنيد

مظاهرات الحريديم: صراع داخلي ينعكس بمعارضة التجنيد

العرب الأن - وكالات 

يشهد المجتمع الحريدي في إسرائيل، منذ الأسبوع الماضي، نشاطات ضد تجنيد الشبان الحريديم للجيش الإسرائيلي. ونُظمت مظاهرات وجرت مواجهات بين الشرطة والحريديم، الذين أغلقوا شوارع رئيسية في القدس الغربية ومدن بني براك بيت شيمش وأشدود (أسدود) وإلعاد ومستوطنة "موديعين"، وذلك على مدار عدة أيام متتالية، الأسبوع الماضي. وعملت الشرطة على تفريق هذه المظاهرات مستعينة بقوات كبيرة وخيالة ورشاشات المياه. واعتقل خلال هذه المظاهرات عشرات الحريديم.

الجدير بالإشارة أن هذه المظاهرات، ضد التجنيد، عبارة عن موجات تتكرر سنويا، وأحيانا أكثر من مرة في السنة، وذلك منذ تعديل قانون التجنيد الإلزامي، خلال ولاية الحكومة السابقة، وبمبادرة حزب "ييش عتيد" برئاسة يائير لبيد، الذي تولى منصب وزير المالية حينذاك. وطالب "ييش عتيد" بتعديل القانون بادعاء مشاركة الحريديم في "تحمل العبء" أسوة باليهود العلمانيين والمتدينين غير الحريديم.

والمجتمع الحريدي، بشكل عام وبكافة تياراته وطوائفه، يعارض تجنيد الشبان الحريديم للجيش الإسرائيلي. وأعفيَ هؤلاء من الخدمة العسكرية منذ تأسيس إسرائيل، بموجب تفاهمات تعرف باسم "ستاتيكو" أو الوضع القائم. وبدلا من الخدم العسكرية، يدرس الشبان الحريديم في "الييشيفوت"، أي المعاهد الدينية اليهودية لتدريس التوراة، ويحصلون على مخصصات في إطار ذلك ضمن نظام "توراته حرفته"، أي أن عمله هو دراسة التوراة والتعاليم الدينية اليهودية.

ونظم المظاهرات، التي جرت الأسبوع الماضي، مجموعة تعرف باسم "الجناح الأورشاليمي" (المقدسي) في طائفة الحريديم الليتوانيين، وهي أكبر طائفة حريدية أشكنازية. وتشير التقديرات، بحسب تقارير صحفية إسرائيلية، إلى أن "الجناح الأورشاليمي" يشكل نسبة 6% من الحريديم في إسرائيل وحوالي 20% من الحريديم الليتوانيين. ويقود هذا الجناح الحاخام شموئيل أويرباخ، الذي يوصف بأنه متعصب ومتطرف.

ويذكر أنه خلال ولاية الحكومة السابقة، اشترط حزبا "ييش عتيد" و"البيت اليهودي" برئاسة نفتالي بينيت، من خلال المفاوضات لتشكيل الحكومة، عدم ضم الأحزاب الحريدية، "يهدوت هتوراة" وشاس، من أجل تمرير تعديل قانون التجنيد الإلزامي بحيث يشمل الحريديم وإلزامهم بدخول سوق العمل.

لكن لدى تشكيل الحكومة الحالية، أعلن رئيسها بنيامين نتنياهو أن الحريديم هم "شركاء طبيعيون" لليمين، وضمهم إلى حكومته. وألغت الحكومة الحالية، عمليا، التعديل على قانون التجنيد الإلزامي، من خلال منح إعفاء للشبان الحريديم من الخدمة العسكرية لمدة سنة، وتمديد هذا الإعفاء سنويا، بواسطة حضور هؤلاء الشبان إلى مكتب التجنيد والتوقيع على تصاريح الإعفاء.

تصعيد الحريديم والشرطة: ليبرمان يهدد

إلا أن زعيم "الجناح الأورشاليمي"، الحاخام أويرباخ، أصدر في الأشهر الأخيرة تعليمات إلى تلاميذه وأتباعه برفض التجنيد للجيش والامتناع عن التوجه إلى مكاتب التجنيد من أجل التوقيع على تصاريح الإعفاء من الخدمة بموجب قرار الحكومة.

واندلعت موجة المظاهرات الأخيرة في أعقاب اعتقال شاب حريدي، أثناء مشاركته في مظاهرة ضد "تدنيس حرمة يوم السبت"، قبل أسبوعين. وأصدرت محكمة إسرائيلية قرارا بالإفراج عن هذا الشعب، لكن تبين بعد ذلك أنه فار من الخدمة العسكرية، وذلك لأنه لم يوقع على تصريح بإعفائه من الخدمة العسكرية، بموجب تعليمات الحاخام أويرباخ. وتم وضع الشاب في السجن العسكري.

الحاخام أويرباخ

وذكرت تقارير صحفية إسرائيلية إن مظاهرات الحريديم جرت بتصاعد متبادل من جانب المتظاهرين، الذين بدوا حازمين على إغلاق شوارع والدخول في مواجهات مع قوات الشرطة، وأيضا من جانب الشرطة، التي استخدمت قوة أكبر نسبيا قياسا بتعاملها مع موجات المظاهرات في الماضي. يضاف إلى ذلك تهديد وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، بإلغاء نظام "توراته حرفته" لليشيفوت التابعة لجماعة الحاخام أويرباخ، ومشروع قانون قدمه عضو الكنيست عوديد فورير من حزب "يسرائيل بيتينو" بمنع الميزانيات عن هذه الييشيفوت.

في المقابل، دُعي المتظاهرون إلى الحضور إلى مفترقات طرق مركزية في بني براك والقدس وأشدود وإلعاد وبيت شيمش. وطالبت جريدة "هبلاس"، الناطقة بلسان "الجناح الأورشاليمي"، بتنظيم مظاهرات أيضا "قرب بيوت المسؤولين المباشرين عن جهاز التجنيد وتطبيق قانون تجنيد طلاب الييشيفوت، والمسؤولين عن منظومة التجنيد والصيد المغري لأبناء الييشيفوت كي يغادروا هياكل التوراة والانضمام إلى مسارات التجنيد المختلفة".  

كذلك تلقى المتظاهرون بطاقات بلاستيكية، كُتب عليها أرقام هواتف للحصول على مساعدة قانونية وتوجيهات تطالبهم بالمجيء إلى المظاهرات حاملين أغراضهم الشخصية وأدوات الصلاة وكتب التعليم "وربطة عنق أنيقة من أجل تقلدها لدى خروجهم من الاعتقال". كما طالبت "هبلاس" المتظاهرين، باسم خبراء قانونيين، "بتوثيق، تصوير، تسجيل، وتصوير فيديو لكل تصرفات الشرطة وطالبة أفرادها بأن يفسروا قانونيا بشكل مفصل أي طلب يقيد بصورة غير معقولة حرية التعبير وحرية الحركة. ولا ينبغي التعامل مع أي طلب يدوس الحقوق على أنه مفروغ منه. ويجب طلب تفاصيل الشرطي، اسمه ورقمه الشخصي، وتفسير سلوكه، وتوثيق الأمور بتسجيل مكشوف، من أجل استخدام كل ذلك أثناء الإجراءات القضائية وتقديم دعاوى ضد أفراد شرطة ينتهكون القانون ويتصرفون بشكل يتجاوز صلاحياتهم".

من جانبها، أعلنت الشرطة الإسرائيلية أنها "ستعمل بحزم ضد أي حالة يتم فيها خرق النظام العام ويكون فيها خطر على مستخدمي الشارع. الاحتجاج هو حق ديمقراطي وشرطة إسرائيل ستسمح بإجرائه، لكن خرق النظام والمس بسلامة الجمهور هي مخالفة جنائية". ويشار إلى أنه خلافا لتعامل الشرطة الإسرائيلية مع المتظاهرين العرب، حيث تقوم بإطلاق النار عليهم، الرصاص أحيانا والأعيرة الأسفنجية أحيانا أخرى، إلا أنه في حالة المتظاهرين اليهود، والحريديم، لا تستخدم هذه الوسائل.

خوف من الانصهار و"فقدان الهوية"

نظم "الجناح الأورشاليمي"، يوم الأحد الماضي، مهرجانا نسائيا في القدس، بمشاركة آلاف النساء، ضد تجنيد الشبان الحريديم. وأثار هذا المهرجان ضجة في المجتمع الحريدي، بعد قراءة أم حريدية بصوت حزين ومذعور قصة حول تجنيد ابنها للواء "غفعاتي" في الجيش الإسرائيلي. وبحسب هذه القصة، فإن سبب رفض التجنيد هو أن "اللغة، الأسلوب، السلوك وطريقة الكلام الذي سمعه من ضباطه، ألحقت الأذى في نفسه. الاستهتار بكل شيء له علاقة بالدين كان رهيبا". وعبرت هذه القصة عن تخوف الحريديم من الانصهار في المجتمع العلماني و"فقدان الهوية".

في المقابل، نشر موقع "بَحَدْري حريديم" الالكتروني الحريدي، رسالة جوابية من أم حريدية يخدم ابنها في الجيش الإسرائيلي. وجاء في هذه الرسالة: "أنا أم حريدية محبة وفخورة، لعدة أبناء رائعين، بعضهم يجملون مقاعد الييشيفاة ومنشغلون بالتوراة بهمة ومثابرة، وأحدهم، رائع مثل أشقائه، خدم كجندي حريدي مقاتل وضابط متفوق قدّس اسم السماء بصورة مؤثرة طوال خدمته كلها".

صراع داخل الحريديم الليتوانيين

مثلما ذُكر آنفا، فإن هذه ليست موجة المظاهرات الأولى ضد تجنيد الحريديم للجيش الإسرائيلي، وإنما موجات التظاهر هذه هي استمرار للموجات السابقة. ويرافق هذه المظاهرات اعتداءات الحريديم على جنود حريديم بالضرب في الشوارع. ولا يستبعد محللون إسرائيليون استمرار موجة المظاهرات هذه، في حال تبين أن معتقلين في هذه المظاهرات هم أيضا فارون من الخدمة العسكرية بسبب رفضهم توقيع تصريح الإعفاء من الخدمة.

الحاخام شطاينمان

لكن في هذه الأثناء، يمتنع السياسيون الحريديم، وخاصة أعضاء الكنيست من كتلة "يهدوت هتوراة"، عن التدخل حتى من أجل الإفراج عن معتقلين شاركوا في المظاهرات. فهؤلاء، بحسب تقارير إعلامية، يعارضون احتجاجات "الجناح الأورشاليمي". وتعبر عن معارضة كهذه معظم وسائل الإعلام الحريدية.

وتجمع وسائل الإعلام الإسرائيلية على أن موجات المظاهرات هذه لا تسعى إلى التعبير عن معارضة التجنيد للجيش، إذ أن الحكومة الإسرائيلية الحالية أقرت إجراء لمنع تجنيدهم. وتعليمات الحاخام أويرباخ لطلاب الييشيفوت التي يقودها، بعدم توجههم إلى مكاتب التجنيد من أجل التوقيع على تصاريح الإعفاء أو تمديدها، نابعة من الصراع داخل الحريديم الليتوانيين.

ووفقا لمحللين ومتخصصين بشؤون الحريديم، فإن هذه المظاهرات هدفها إحراج التيارات المركزية في المجتمع الحريدي، التي تعارض هذه الاحتجاجات، وأن يظهر الحاخام أويرباخ كمعارضة "مقاتلة" للتيارات الحريدية المركزية.  

فبعد وفاة زعيم الحريديم الليتوانيين، الحاخام يوسف شالوم إلياشيف، في تموز/يوليو العام 2012، رفض الحاخام أويرباخ (85 عاما) قبول زعامة الحاخام أهرون لايف شطاينمان (103 أعوام)، الذي خلف إلياشيف في زعامة التيار الليتواني المركزي. ويشار إلى أن حالة شطاينمان الصحية تدهورت مؤخرا وهو يحتضر حاليا.  

 والخلاف بين شطاينمان وأويرباخ يمزق المجتمع الحريدي حتى اليوم، ويتم التعبير عن ذلك من خلال النظرة إلى الجيش الإسرائيلي وتجنيد الحريديم. ويتهم أويرباخ وأتباعه القيادة الروحية للحريديم الليتوانيين وكذلك أعضاء الكنيست من "يهدوت هتوراة" بأنهم يصمتون حيال الجهود التي تبذلها المؤسسة الإسرائيلية من أجل تجنيد طلاب الييشيفوت. 

 

التعليقات