ما الذي يريده محمد بن سلمان من جولته الحالية؟

ما الذي يريده محمد بن سلمان من جولته الحالية؟

منذ فترة من الزمن تنتشر أخبار من داخل العائلة الحاكمة السعودية لعلها تفضح وتوضح بنفس الوقت كيانًا مغلقًا ومحافظًا ومعقدًا للغاية في السلطة الحاكمة السعودية. وفي الحقيقة ردة فعل السعوديين تجاه مثل هذه الأخبار المسربة من الأماكن المظلمة في العائلة الحاكمة توضح وتؤكد واقعية مثل هذه الأخبار.

المراقب للشأن السعودي يستطيع أن يلاحظ بدقة أن السعوديين في السنوات الأخيرة ولتحسين صورتهم حول العالم وبالأخص في العالم الغربي وظفوا العديد من المؤسسات الإعلامية ومراكز التحقيقات العلمية والأكاديمية والمؤسسات الإخبارية ووقعوا العديد من العقود من الوزن الثقيل وخصصوا لهذه التعاقدات أموالًا ضخمة، لا تعد ولا تحصى. لعلّ السائل يسأل ما هي مهمة هذه المؤسسات والمراكز؟ والجواب هو بالإضافة للترويج والتسويق المباشر للعائلة الحاكمة في السعودية ومحاولة تثبيت حكمها فلهذه المؤسسات وظيفة أخرى هي تعليم وتثقيف رجال السياسة السعودية لتسويق أنفسهم. على سبيل المثال تعليمهم كيفية التعامل وردة الفعل السريعة تجاه الأخبار الكاذبة أو تلك الأخبار التي لا ينبغي أن تكون صادقة.

ولكن يبدو أن هذه المؤسسات لم تعلمهم كيفية التصرف أمام حالة إذا ما تم تسريب غير متوقع وقوي ومفاجئ من داخل إطار العائلة. في مثل هذه الحالة كيف يجب أن يتصرف السعوديون؟ لم يعلموهم أنه لا يجب أن يقفوا مدهوشين أمام هذا التسريب أو ذاك، أو كحد أقل كيفية المراوغة حتى لا يستطيع المراسلون والإخباريون كشف هذا التوتر وعدم القدرة على التصرف.

وهذا الدرس كان يجب على السعوديون تعلمه قبل كل الدروس السابقة التي ذكرناها آنفًا. لأنهم دخلوا في مرحلة جديدة من تسريب الأخبار بشكل يومي. هذه الأخبار المعقدة والمرتبطة بالحلقة الأصغر من العائلة الحاكمة.

واحد من هذه الأخبار التي لاقت انتشارًا واسعًا هو توبيخ ولي العهد السعودي لكل من عادل الجبير وزير الخارجية السعودي، وسفير الرياض في واشنطن، لعدم قدرتهم على احتواء الانتقادات اللاذعة التي تتعرض لها العائلة المالكة من قبل وسائل الإعلام البريطانية. إلى الآن لا يوجد ما هو جديد بهذا الخبر نظرًا لأن هذه الحالة تكررت في الآونة الأخيرة حيث يتعرض «عادل الجبير» لتوبيخ مستمر من قبل ولي العهد السعودي. ولكن الشيء المهم للغاية في هذا الخبر والذي جعل السعوديين ومن خلفهم أصدقاءهم الإماراتيين عاجزين ومشلولي الحركة هو ما نقله الإماراتيون أنفسهم عن حادثة توبيخ عادل الجبير. حيث إن ابن سلمان قال إن ولي العهد الإماراتي «محمد بن زايد» قال له: لقد أرسلت رسائل متعددة تتضمن انتقادات وسائل الإعلام البريطانية لـ«تيريزا ماي» رئيسة وزراء بريطانيا مما دفع الأخيرة لتقديم اعتذار خطي وشفهي عن هذه الانتقادات.

محمد بن سلمان ومع ذكر هذه الحادثة لكل من عادل الجبير ومحمد بن نواف بن عبد العزيز سفير السعودية في لندن طلب منهما أن يتخلوا عن سياسة دفع الأموال الطائلة لمديري التحرير في الصحف المشهورة والكتاب والإعلاميين وأن يتبعوا سياسة إجبار هؤلاء على الحيلولة دون نشر مثل هذه الانتقادات لا مجرد محاولة تلافي نتائجها. هذا الخبر الذي تم تسريبه حيرّ السعوديين ومن خلفهم عرّاب محمد بن سلمان، «محمد بن زايد» ودفعهم نحو اختيار الصمت المطلق.

والأكثر إثارة للاهتمام من هذا وذاك، هو الصمت المطلق القادم من البيت ذي الرقم 10 في شارع «داوننغ ستريت». إذ كان صمتها «تيريزا ماي» حول الادعاء بتقديم الاعتذار لولي عهد أبوظبي له معنى أكبر من صمت كل من رأسي المثلث الآخرين.

وحول كيفية ومكان منبع تسريب الأخبار حول العائلة المالكة السعودية فيما يبدو أنه منبع واضح للعيان: الأمراء المعتقلون والذين تم تعذيبهم من قبل ولي العهد السعودي. هذا الاعتقال الفريد من نوعه من قبل «المستبد» محمد بن سلمان ضد الأمراء السعوديين والذي يتم الآن تسريب وقائعه تدريجيًا لوسائل الإعلام.

من جهة أخرى، أقام الملياردير ورجل الأعمال السعودي الذي يملك الجنسية الأمريكية «أحمد العسراوي» أخطر وأكبر دعوى ضد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أمام المحكمة الاتحادية كونه مواطنًا أمريكيًا تم توقيفه في السعودية وتعذيبه وضربه واحتجاز حريته دون أي تهمة. وطالب المحكمة باعتقاله فور دخوله الأراضي الأمريكية.

إفشاء وتسريب الأخبار السرية للغاية المتعلقة بالعائلة المالكة ومستبدها ابن سلمان وديوانه الملكي هو نوع آخر من الوسائل التي يستخدمها الأمراء «المجروحون»، ضد محمد بن سلمان.

هؤلاء الأمراء الذين قام ولي العهد الشاب محمد بن سلمان باعتقالهم وتعذيبهم وسلبهم مئات المليارات بحجة مكافحة الفساد. لينتظر باقي الأمراء في صف الاعتقال أو يقوموا بدفع جزية استباقية.

ولكن لم ينتبه محمد بن سلمان أن هؤلاء الأمراء ليسوا مثل الشعب السعودي المظلوم والذي يتعرض لظلم العائلة الحاكمة بكل أنواع الظلم والستم. لم ينتبه إلى أن هؤلاء الأمراء هم من عشائر وقبائل لها سلطة ونفوذ واسعان داخل دائرة الحكم في السعودية.

مؤخرًا واحد من هؤلاء الأمراء الذي يستقر في إحدى الدول الغربية أعلن أن عددًا من الأمراء المعتقلين السابقين قرروا تسريب معلومات خطيرة ضد محمد بن سلمان والدائرة المحيطة به.

ولعل أول ما قام بتسريبه هذا الأمير يتركز حول سفر محمد بن سلمان إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وفيما أورده:

1) ستكون هذه الجولة هي الجولة الأخيرة لعادل الجبير بوصفه وزيرًا لخارجية المملكة نظرًا لاستياء محمد بن سلمان من طريقة عمل الجبير والذي سيتم عزله مباشرة بعد العودة إلى الديار.

2) إن الأهداف الأساسية من وراء هذه الجولة هي:

أ) طلب حمايته، بعدما ازداد قلق محمد بن سلمان من الأمراء المعتقلين واجتماعهم عليه.

ب) طلب تسهيل نقل السلطة من الملك سلمان إلى ولي العهد السعودي واحتواء النتائج المرتقبة من نقل هذه السلطة من قبل بريطانيا وأمريكا.

ج) مساعدة بريطانيا وأمريكا لولي العهد للخروج من مأزق اليمن وحفظ ماء وجهه من مستنقع اليمن الذي خاض فيه لسنوات. محمد بن سلمان الذي يعتقد أن الخروج من حرب اليمن دون نتيجة يعني أنه تعرض لأكبر خسارة وأكبر تكلفة لمشروع فاشل منذ توليه.

د) السعي لتلميع صورة السعودية في المجتمعات الغربية. حيث تشير مؤسسات استطلاعات الرأي حول العالم إلى أن الصورة العامة للحكومة السعودية وأركانها في المجتمعات الغربية هي صورة سلبية للغاية وهي مصدر مغذٍ للإرهاب وبخاصة «داعش». محمد بن سلمان يذوق الأمرين من هذا الموضوع وهو ما يُعتقد أنه سبب عدم ارتياحه من وجود عادل الجبير ووزير إعلام المملكة «عواد بن صالح العواد».

محمد بن سلمان في سعيه لتغيير هذه الصورة، وخصوصًا بعد الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب اليمني واحتجاز رئيس الوزراء اللبناني في السعودية، فتح صناديق ثروته لتغيير هذا الواقع الصعب، فسارع أتباعه لإمضاء عقود من العيار الثقيل مع شركات إعلامية ومؤسسات علمية ومراكز أبحاث. بالإضافة لذلك فقد قام المسؤولون السعوديون منذ العام الماضي إلى الآن بالتواصل بشكل مباشر مع 65 صحفيًا ومديري تحرير ومواقع إلكترونية وكتابًا وأساتذة جامعات معروفين أوروبيين وأمريكيين وبرلمانيين لهم سلطة واسعة فقدموا لهم الهدايا والمبالغ الضخمة لتلميع صورة المملكة واستخدام كافة الوسائل (حتى طلابهم) في الدفاع عن المملكة.

لقد وعد هذا الأمير – الذي سرب كل هذه المعلومات – بنشر أسماء هؤلاء الأفراد مع أسماء المؤسسات التي ذكرناها آنفًا. والأيام ستكشف المزيد.

التعليقات