صراع المصالح والايديولوجية بين التيارات التكفيرية

صراع المصالح والايديولوجية بين التيارات التكفيرية

اعتبر أكثر الباحثين في السياسة والثقافة، أن البعد الايديولوجي، بشكل عام، غالبا ما تكون له الغلبة، بسبب ما يكتنفه من عناصر "محرضة" متعالية، تتحكم في منظومة التفكير والعمل عند الانسان. ولعل أعمق التأثير الايديولوجي هو ذلك الذي يرتكز على البعد الديني.

 

من هنا استفاد الغرب من هذه الايديولوجيات “الاسلامية” المتمثلة ببعض الحركات “الجهادية” في مقارعة الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، دون أن نغفل عن موارد الاستفادة في بعض جبهات الحروب العسكرية كأفغانستان.

ومنذ اندلاع الأزمات في الشرق الأوسط والتي كانت “عناصر السلفية الجهادية” عنصراً فيها، ظن الكثيرون أن هذه “الحركات”، وبسبب طبيعتها الايديولوجية، هي حركات تقدّم الدين على السياسة، والمبادئ على المصالح. إلا أنه مع اندلاع الأزمة في سوريا، وبعد مرور عدة أشهر، بدا أن هذا التصور آيل للسقوط، وأن فكرة صلابة الايديولوجيا أمام المصالح معرضة للتهشيم.

لقد كانت أول رصاصة أُطلقت على نظرية “الصلابة” هذه، يوم أنشق “الجولاني” عن البغدادي، وأحترب الطرفان على تقاسم الغنائم. لم تكن الغنائم تلك مجرد أموال وبضائع بقدر ما كانت مساع هيمنة على الساحة “الجهادية” تجري في الخفاء بين تنظيمي “داعش” و”القاعدة”. ثم ما لبثت عدوى الاحتراب أن انتقلت إلى معظم الفصائل التي تحمل مشروعاً “جهادياً إسلامياً”.

يعتبر الكثير من الباحثين أن الاختلافات الأيديولوجية بين الفصائل العسكرية في الشمال السوري لعبت دوراً هاماً في الصراعات والنزاعات، وأن هذا الأمر ظهر بشكل واضح في المواجهات بين “هيئة تحرير الشام” و”أحرار الشام”، كنموذج على الاختلاف الايديولوجي الذي يؤدي لتصارع الايديولوجيات. باعتبار أن “أحرار الشام” رغم أنها محسوبة على “المعسكر الإسلامي” لكن ظهرت أصوات داخل “الهيئة” تتهم “أحرار الشام” بالانحراف العقدي، في حين تعالت أصوات داخل “أحرار الشام” تصف الهيئة بالبغاة وصولاً إلى الخوارج وإن كان الخطاب الرسمي قد خلا من وصفهم بالخارجية. وأن الصراع بينهما لم يكن ليحدث لولا الاختلاف الايديولوجي.

على أن المتابع للمرجعيات الدينية لهذه الأطراف، سيجد بما لا لبس فيه أنها تنتمي لنفس المدرسة، وتنهل من نفس علمائها وكتبهم. ويكفي النظر في كتب ومنشورات هذه الأطراف ليجد المرء أنهم يحيلون إلى نفس المصادر، ويستدلون بنفس الكتب، ويتحاجّون بنفس المراجع. فيقدمون ويؤخرون، ويرفعون ويُنزلون نفس الشخصيات من علمائهم ومشايخهم.

ورغم وجود المرجعيات التي يستطيعون الاحتكام إليها في الحكم على مدى التزام كل طرف بأصول الشريعة أو خروجه عنها، مع وجود “هيئة شرعية” لكل حزب منهم، إلا أن وجود هذه المرجعيات( شخصيات أو ضوابط موجودة في الكتب)، لم يحل دون التناحر، ولم يمنع الاحتراب، ولم يوقف الاتهامات المتبادلة بالخروج عن الدين تارة، والبغي تارة ثانية وعدم تطبيق أصول الشريعة الصحيحة تارة ثالثة.

ولعل ما يوضح المشهد أكثر هو طبيعة التحالفات الجارية. اذ أننا نجد تفاهُماً بين “هيئة تحرير الشام” وفصائل من “الجيش الحر” (فيلق الشام – جيش إدلب الحر – جيش العزة)، حيت اشتركت تلك الفصائل في العديد من غرف العمليات، ولم تسجل حالات صدام تُذكَر، في حين أن الصدامات تشتعل وتخفت بين الحين والآخر بين “تحرير الشام” و”وجبهة تحرير سوريا” (تحالف أحرار الشام وحركة نور الدين زنكي) وهما من المفترض أنهما محسوبان على التيار “الجهادي”.

إن تركز وجود هذه الجماعات في محافظة ادلب، مع افتقار المحافظة للموارد الاقتصادية الهامة والتي تعتمد على الزراعة بشكل أساسي، ومع انسداد أفق التواصل مع المناطق الأخرى، وتساقط مناطق سيطرة داعش بيد الجيش السوري، سرّع من وتيرة الصدام بين هذه الفصائل، للسيطرة على الموارد الاقتصادية المتاحة في الشمال(نقصد ادلب ومحيطها) والمتمثلة في المعابر البرية، والقطاع الخدمي.

وعلى أي حال، يصعب على الباحث ايجاد اختلافات ايديولوجية جذرية بين هذه الأطراف، فيما يسهل ايجاد عشرات الأسباب والمصالح السياسية والاقتصادية التي كانت تقف وراء هذا الاقتتال، مما يؤكد أن الايديولوجيا ليست عاملاً حاسماً في الاقتتال بقدر ما هي ذريعة يتمسك بها كل طرف للتحشيد، أو لإضفاء المشروعية على حروبه المتنقلة.

التعليقات