مصير نتنياهو: تفاقم الأزمة وسيناريوهات السقوط

مصير نتنياهو: تفاقم الأزمة وسيناريوهات السقوط

يعيش نتنياهو اليوم أصعب مراحل حياته السياسية، فالعديد من الملفات الصعبة والمعقدة وضعته أمام أزمة يقول مراقبون أنها قد تهدّد مستقبله السياسي برمته، فهو اليوم يقف أمام مستقبل مظلم، ينذر بفشل في تدارك تداعياته، والأزمة الداخلية المستعرة، وبالرغم من وصول ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، ودعمه المفرط لنتنياهو، إلا أنّ الظروف السياسية المعقدة التي تحيط بهذا الأخير لا تبشر بانفراج قريب.

اليوم يعيش نتنياهو المعروف بغروره وتكبره أصعب حالاته، وقد وصفه وزير الحرب السابق ايهود باراك “بأنه رجل جبان يجب أن يرحل”، مشدّدا على أن ّ«مستقبل إسرائيل وجيشها بيد رئيس وزراء مضلل وجبان ويجب الإطاحة به وليس إنقاذه»، فما يعيشه نتنياهو اليوم، وبالرغم من كل المحاولات يفوق التوقعات، فهو يواجه اليوم ملفّين مهمّين، يتمثل الأول في ملف الفساد، إذ يخضع بنيامين نتنياهو منذ نهاية 2016 لتحقيقات متواصلة بسبب ملفات فساد، حيث أخضعته الشرطة الإسرائيلية للتحقيق أربع مرات، وعلى الأغلب هناك جولات تحقيق قادمة في ظل تعدد ملفات الفساد التي يواجهها، منها “ملف 1000” أو “الهدايا الثمينة غير المشروعة”، و”ملف 2000” أو ما يمکن تسميته “شراء الولاء في الإعلام”، الذي يُتهم فيه نتنياهو بالتآمر مع “أرنون موزيس” ناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليمينية ضد منافستها صحيفة “يسرائيل اليوم”، و”تحميل الدولة تکاليف مضاعفة خلال السفريات الخارجية”.

يبدو أنّ التحقيقات القضائية مع نتنياهو بسبب تهم الفساد لم تنتهي بعد، وهو اليوم بانتظار الحکم القضائي المحتمل بشأن هذه الملفات، لكن الواضح أنّه دخل في أزمة أخرى لا تقلّ خطورة عن الأولى، بعد أن أصدر مراقب الکيان الصهيوني “يوسف شابيرا” تقريره عن حرب 2014 على قطاع غزة، أو ما يعرف بعملية “الجرف الصامد”، فقد اتهم التقرير القيادة السياسية الإسرائيلية المتمثلة في نتنياهو بالفشل في مواجهة المقاومة الفلسطينية، والملفت أنّ رئيس الوزراء الصهيوني السجين “إيهود أولمرت” عاش وضعا مماثلا، نتيجة إخفاقات “إسرائيل” في حربي تموز 2006 على لبنان، و2008 – 2009 على قطاع غزة.

اليوم التاريخ يعيد نفسه في فلسطين المحتلة، وهذه المرة المرشح لنيل المصير ذاته، هو أحد أکثر زعماء “إسرائيل” تطرفا في تاريخها، الذي تربع على السلطة عام 2009 للمرة الثانية، بعد حملة قام بها ضد سلفه “أولمرت” لإخفاقات الأخير في حرب تموز 2006 على لبنان، والتي وردت في تقرير لجنة فينوغراد الشهيرة، وکذلك الحرب على غزة نهاية عام 2008 وبداية عام 2009. يوجه تقرير “شابيرا” اتهامات عديدة وخطيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة الجيش الإسرائيلي، منها، الإخفاق في الإستعداد المطلوب للحرب على غزة عام 2014، ولا سيما فيما يتعلق بمواجهة الأنفاق التي يرى التقرير أن الأفعال التي اتخذتها الحکومة والجيش لم تکن على مستوى التهديد الذي کانت تمثله هذه الأنفاق، والتقصير في إعداد خطط عسکرية وتدريب قوات لمواجهتها. أيضا إخفاء معلومات حساسة عن بقية أعضاء المجلس الوزاري المصغر من قبل رئيس الوزراء ووزير حربه.

أيضا فشل هذا المجلس في تحديد أهداف استراتيجية للجيش الصهيوني في هذه الحرب، مما اضطره إلى تحديد هذه الأهداف بنفسه.

يمكن القول أنه هناك العديد من السيناريوهات المتوقعة بعد هذه الأزمات المستفحلة التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي، فيما يتعلق بمستقبله السياسي خلال المرحلة المقبلة أهمها، سيناريو “البقاء والإستکمال”، أي أن تستمر الحکومة الحالية بقيادة نتنياهو في الحکم وتستکمل مدتها القانونية، إلى حين إجراء إنتخابات الدورة الـ 21 للکنيست عام 2019.

لكن وإن كان هذا الاحتمال ضعيف في ظل تدفق الأزمة الحالية، لكنه غير مستبعد إلى حد كبير، خاصة وأنّ الحکومة الإسرائيلية الحالية وبالذات رئيسها، يحظى بدعم قوي من الإدارة الأمريکية الجديدة، وهنا لا ينبغي أن نغفل أن الرئيس الأمريکي الجديد “دونالد ترامب” حريص أکثر من نتنياهو نفسه، لبقائه على رأس السلطة في “إسرائيل”.

أمّا السيناريو الثاني فيتمثل في الإستقالة، فإن أحسّ نتنياهو بأن مصير التتبعات القضائية قد يؤول إلى إجباره على الإستقالة، قد يقرّر هو ذلك من تلقاء نفسه قبل أن يطاله القانون.

الواضح أنّ غالبية الصهاينة، يؤيدون الاتهامات الموجّهة لرئيس الحکومة الإسرائيلية، حيث نشرت صحيفة هآرتس العبرية إستطلاعا للرأي جاء فيه، أن 57% من الإسرائيليين يعتقدون أن شبهات الفساد المحيطة بنتنياهو صحيحة، مقابل 28% يرون بطلان هذه الإتهامات.

أما السيناريو الآخر المحتمل، فهو الدعوة إلى “إنتخابات مبکرة”، ففي ظل التحقيقات مع نتنياهو وإنتشار تقرير “شابيرا”، بدأت ترتفع أصوات من داخل الحکومة وخارجها تطالب بالدعوة لإجراء انتخابات مبکرة.

من الواضح أن هذا الأمر غير مستبعد في ظل الظروف الحالية، ذلك أنه غالبا ما يتم تقديم موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في ظروف عادية لمجرد خلافات حزبية وعلى إثرها يتصدع الإئتلاف الحکومي، فكيف وهي تعيش اليوم أصعب الأزمات وأخطرها، أنّ الأحزاب المشارکة في الائتلاف الحکومي ولأسباب بعيدة عن أزمة نتنياهو، ترغب في تفکيك هذا الائتلاف وتقديم موعد الإنتخابات أملا في الحصول على عدد أکبر من المقاعد، منها حزب “البيت اليهودي” برئاسة وزير التعليم والتربية “نفتالي بينت”، الذي يشعر اليوم بنشوة القوة بسبب نجاحه في تمرير قانون “التسوية” الذي شرعن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، والتي قامت عليها مستوطنات عديدة. کما أن حزب “هناك مستقبل” بقيادة “يائير لابيد” المشارك في الإئتلاف الحکومي سيکون من المستفيدين من تفكك الائتلاف الحاکم بعد نجاحه في بناء قاعدة حزبية على حساب اليسار الإسرائيلي التقليدي. إضافة لكل هذا، هناك احتمالات الانشقاق في حزب الليکود بقيادة بنيامين نتنياهو بعد إعلان وزير الحرب السابق موشه يعلون نيته تشکيل حزب سياسي جديد، مما يعني أنه ينوي الانشقاق عن الليکود.

السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه بقوة أنه إذا ما جرت انتخابات مبکرة في “إسرائيل” کيف سيکون مصير رئيس الوزراء الحالي بعد الانتخابات؟ ما يمکن قوله أنه، اذا کان سبب تنظيم الانتخابات المبکرة هو استقالة نتنياهو مُكرهاً بعد توجيه لائحة الاتهام ضده، فعلى الأرجح سينتهي الرجل سياسيا، لکن إذا کان السبب شيء آخر، هناك احتمال واحد لعودته للمشهد السياسي مجددا، ورغم أنه إحتمال ضعيف لکنه وارد، هذا الاحتمال يتمثل في أن يفشل منافسوه في إقناع الجمهور الإسرائيلي بقدراتهم على توفير الأمن لهم، ونجاح نتنياهو في إظهار نفسه الأقدر على ذلك، وخاصة بفضل سجله الحافل بالحروب والويلات على الشعب الفلسطيني، وتصوير نفسه على أنه الأقدر على مواجهة “الخطر الإيراني”، خاصة في ظل الدعم القوي الذي يلقاه من حليفه الأمريکي ترامب.

 

الياسمين البغدادي

التعليقات