السؤال الكبير المطروح على رئاسة مصر الجديدة

السؤال الكبير المطروح على رئاسة مصر الجديدة

العرب الان

بقلم: فهمي هويدي

 

لا أعرف رئيسا تولى السلطة فى مصر وواجه تحديات ومخاطر كتلك التى تنتظر المشير عبدالفتاح السيسى فى منصبه الجديد.

 

(1)

قدَر هذا المقال أنه كتب قبل إعلان نتائج الفرز فى الانتخابات الرئاسية. وما كان لى أن أكتبه إلا لاطمئنانى إلى أن زمن المعجزات الإلهية قد انتهى. وهو العامل الوحيد الذى يمكن المراهنة عليه لكى تتغير النتيجة التى لم تكن سرا. وربما كان الشخص الوحيد من بين التسعين مليون مصرى الذى راوده الشك فى النتيجة وظل ينتظر المعجزة هو السيد حمدين صباحى المرشح المؤيد للسيسى والمنافس له. وأقول «ربما» من باب إحسان الظن بالرجل والدعاية المجانية له، تحسبا للانتخابات الرئاسية القادمة أو التى بعدها.

لأن المشير السيسى ليس له سجل فى العمل السياسى العلنى على الأقل، فثمة أسئلة كبيرة تنتظره، سأكتفى منها بسؤال محورى واحد أطرحه فى الختام. ورغم أنه حاول أن يقدم بعض الإجابات خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن أغلبها كان معدا سلفا وخضع للمراجعة والتشذيب، ثم إن «الجمهور» الذى التقاه خضع للانتقاء، ناهيك عن أننا نعرف جيدا أن كلام الحملات الانتخابية ليس آخر كلام. وهو الحاصل فى الدنيا كلها حتى فى البلاد التى بها مؤسسات مستعدة لمناطحة الرئيس ومغالبته، فما بالك بنا حيث لا توجد مؤسسات تحاسب أو تراقب، فضلا عن ان الرئيس عندنا إذا لم يكن فرعونا بالسليقة، فإن فريق «الفرعنة» جاهز للقيام باللازم طول الوقت.

 

(2)

قبل أن نلقى على الرئيس الجديد السؤال الأهم المتعلق بوجهته، فربما كان مفيدا أن نحدد أولا على أى أرض يقف. أتحدث عن تشخيص الوضع المصرى الراهن وإثبات حالته فيما يمكن أن نسيمه محضر استلام السلطة، وإذا جاز لى أن أشخص الوضع فى كلمات معدودة، فقد أقول إنه على الصعيد الداخلى مأزوم سياسيا واقتصاديا. والأزمة على كل جانب أشد منهما على الجانب الآخر، وأذهب إلى أنها ربما كانت إحدى المرات النادرة فى التاريخ المصرى التى تلازمت فيها الأزمتان فى وقت واحد بنفس درجة الحدَّة والحرج.

الأزمة السياسية (لاحظ أننا نتكلم عن الداخل وأن الحديث عن الخارج مؤجل) لها مظاهر عدة تتمثل فيما يلى: ضمور الأحزاب السياسية وعقمها، الأمر الذى جعلها عاجزة عن تقديم مرشح لانتخابات الرئاسة ــ غياب مؤسسات الدولة المستقلة التى يمكن أن تكون شريكة فى القرار أو مراقبة له، أو على الأقل محصنة ضد ضغوط الهوى السياسى ــ تغول السلطة المركزية وإهدار فكرة الفصل بين السلطات ــ هيمنة المؤسسة الأمنية وإطلاق يدها إما بالقانون وإما بالتعامل معها باعتبارها فوق القانون ــ تفريغ الديمقراطية من مضمونها الوظيفى، والإبقاء على هياكلها من قبيل التجمُّل والحفاظ على الشكل (مجلس حقوق الإنسان نموذج لذلك) ــ تكبيل منظمات المجتمع المدنى وتهميش دورها من خلال قانون منع التظاهر ــ الاستقطاب الحاد فى المجتمع وانقسامه على نحو غير مسبوق فى تاريخه.

هذه العناوين يمكن أن يضيف إليها الخبراء أمورا أخرى لا ريب. وهذا القدر الذى ذكرته ــ إذا صح ــ فإنه يصيب المجتمع بالهشاشة وبضعف المناعة، الأمر الذى لا تكون انعكاساتها الخطيرة مقصورة على الداخل فحسب، ولكنها بالضرورة على وزن مصر ودورها ومصالحها فى الخارج أيضا.

لست بحاجة إلى التفصيل فى الأزمة الاقتصادية التى صار الحديث عنها مادة يومية فى تصريحات المسئولين، كما أنها ظلت تمثل محورا مهما ومركزيا فى أحاديث المشير السيسى وما يتسرب من معلومات حول برنامجه. وقد ظهرت شواهد الأزمة فى المجال العام، بحيث أصبح بوسع أى مواطن عادى أن يلحظ آثارها الضاغطة والمدمرة، ان لم يكن فى الغلاء الذى توحش ففى البطالة وكساد سوق العمل الذى ضرب أغلب الأسر. وأى زائر للأقصر أو شرم الشيخ يستطيع أن يلمس حدة الأمة، حين يرى الفنادق والأسواق التى أغلقت. والبواخر السياحية التى تحولت إلى خرائب مهجورة. وقد وجدت تشخيصا وافيا للأزمة فى الدراسة الأخيرة التى أعدها الدكتور إبراهيم العيسوى الخبير البارز بمعهد التخطيط وتحدث فيها عن الاختلالات المزمنة فى الاقتصاد المصرى. وقد رصد فيها مظاهر تفاقم تلك الاختلالات بعد ثورة يناير 2011، وارتفاع مؤشرات ذلك التفاقم فى أعقاب التغيير الذى حدث فى يوليو 2013، الذى أضاف إلى الأزمة بعدا آخر تمثل فى الخلل الذى تمثلت أصداؤه فى تراجع معدلات الادخار والاستثمار ومن ثم ضعف النمو الاقتصادى وتوالى العجز المزمن فى الموازنة العامة وميزان المدفوعات وتضخم الدين العام الداخلى والخارجى بشكل غير مسبوق.

أهمية وخطورة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة ــ والكلام للدكتور العيسوى ــ أنها أدت إلى زيادة الاعتماد على الخارج. خصوصا فى واردات الغذاء أو واردات المواد البترولية أو فيما يخص تمويل الاستثمارات. فبعدما كان الميزان التجارى للبترول (أى الصادرات والواردات البترولية) يحقق فائضا بمبلغ 5.1 مليار دولار فى 9/2010 انخفض ذلك الفائض إلى 2.9 مليار دولار فى 10/2011، ثم انقلب إلى عجز فى حدود نصف مليار دولار فى كل من 11/2012 و12/2013، بما يعنى تحول مصر إلى مستورد صاف للمنتجات البترولية. وقد استمر العجز فى ميزان البترول فى الربع الأول من 13/2014، وذلك بالرغم مما تلقته مصر من معونات مالية وبترولية من الدول الخليجية الثلاث السعودية والإمارات والكويت. وكما أصبح معروفا فإن نقص الإمدادات من البترول والغاز أدى إلى أزمات فى التزود بوقود السيارات وفى توفير السولار والمازوت للمصانع ومحطات توليد الكهرباء. وترتب على تلك الأزمات اضطراب حركة النقل وارتفاع كلفته، كما نتج عنها تكرر انقطاع الكهرباء الذى أسفر عن آثار سلبية على الأداء فى مجال الإنتاج والخدمات وعلى نوعية حياة المصريين بصفة عامة.

وكانت نتيجة تلك الأوضاع المضطربة أن التصنيف الائتمانى لمصر جرى تخفيضه أكثر من 16 مرة إذ إنها أصبحت تدرج ضمن الدول عالية المخاطر المعرضة للتعثر أو العجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية الخارجية فى مواعيدها.

 

(3)

كل الشواهد تدل على أن الأزمة الاقتصادية ستكون العنصر الحاكم للرئاسة المقبلة فى مصر، ذلك ليس استنتاجا منطقيا فحسب، ولكنه واضح أيضا فى كلام المشير السيسى وفيما تسرب من مقاطع لبرنامجه، نلاحظ ذلك مثلا فيما نشرته بوابة «الشروق» فى 20/5 عن البرنامج أن الكلام فيه عن الحرية والديمقراطية إنشائيا وفضفاضا، فى حين كان الجزء المتعلق بالاقتصاد أكثر وضوحا بصورة نسبية، فالحرية فى البرنامج هى «بيت القصيد، وهى الحد الفاصل بين حياة الإنسان وحياة غيره من الكائنات. وهى الهدف الثانى لثورتنا المجيدة.. فلا كرامة بغير حرية ولا حرية بلا كرامة...إلخ» ــ وفى البرنامج انه يعنى بالديمقراطية أيما عناية. إذ إن مجلس الوزراء والوزارة المعنية بشئون التشريع (اللذين أقرا قانونى التظاهر والإرهاب الذى لم يصدر) فقد تناول أمورا أكثر تحديدا مثل ضرورة إعادة النظر فى الدعم والحد الأدنى للأجور والكروت الذكية...إلخ.

اننا نلمح فى البرنامج وفى تصريحات المشير ورئيس الوزراء أمرين أساسيين، أولهما ما ذكرته توا من تقديم الاقتصاد على السياسة. وثانيهما الالتزام بسياسات اقتصاد السوق الحرة المفتوحة أو ما يسمى بالليبرالية الاقتصادية الجديدة. وإذا دققنا فى ذلك المسار فسوف تبرز لدينا ملاحظتان مهمتان، الأولى أنه يعد امتدادا للسياسة التى طبقت فى ظل نظام مبارك. والثانية أنها تتوافق إلى حد كبير مع سياسات الدول الخليجية الداعمة للوضع المستجد فى مصر. وكل من الملاحظتين له دلالته التى سيكون صداها واضحا فى المرحلة الرئاسية القادمة. فالأولى ترجح الاستنتاج الذى يرى فى القرائن المتوافرة (خصوصا بصمات الدولة الأمنية) عودة متدرجة لنظام مبارك. وهو لم يعد سرا فى ظل الحضور المتنامى لعناصر ذلك النظام فى مجالى الأعمال والإعلام، فضلا عن بروز ذلك الحضور فى حملة تأييد المشير السيسى.

أصدِّق ما قاله المشير السيسى عن انه ليس مدينا بأية «فواتير» لأحد، لكننى أزعم بأن ذلك يمكن أن ينصرف إلى الداخل فقط. ذلك ان الدعم المالى الكبير الذى تقدمه الدول الخليجية الثلاث للنظام المستجد والذى ذكر الفريق السيسى أنه وصل إلى 20 مليار دولار فى نحو عشرة أشهر، يعبر عن مشاعر طيبة لا ريب، لكنه يثير سؤالا كبيرا حول الاستحقاق المترتب عليه وعن المردود السياسى له. يدعونى إلى طرح السؤال عوامل عدة منها ما يلى:

• إن الدول حتى إذا كانت شقيقة لا تقدم مساعدات منتظمة بذلك الحجم لوجه الله، ولكنها تفعل ذلك تدعيما ومساندة لسياسات معينة. ولا لوم عليها فى ذلك بطبيعة الحال. الدليل على ذلك ان الدول الخليجية التى اندفعت لمساعدة النظام الجديد هى ذاتها التى حجبت العون عن النظام السابق.

• إن الدول الخليجية التى توفرت لها فوائض مالية عالية خلال السنوات الأخيرة، تطلعت إلى القيام بدور فى المحيط العربى، خصوصا فى ظل انكفاء مصر وتدمير العراق والقتال الدائر بين النظام السورى وشعبه. وهو ما أحدث فراغا شجع تلك الدول على التمدد ومحاولة التأثير على مجريات الأمور فى أنحاء متفرقة بالعالم العربى وثمة قرائن عدة دالة على ذلك.

• إن تلك الدول وهى تحاول القيام بدور خارج حدودها تستهدف أيضا تأمين أوضاعها الداخلية. إذ منذ هبت رياح الربيع العربى فإنها حرصت على استرضاء شعوبها وأغدقت عليهم ماليا، فى حين شددت وأغلقت الأبواب أمام أى حديث عن الإصلاح السياسى. وفى الوقت ذاته فإنها وظفت امكانياتها لإجهاض أصداء الربيع خارجها للحد من تأثيرها فى داخل حدودها.

 

(4)

أتحدث عن هاجس لا أستطيع أن أكتمه. ذلك أن جيلى عاش المرحلة التى كان لمصر فيها تأثيرها فى إرجاء الخليج، ثم وجدنا أن ذلك التأثير تراجع بصورة تدريجية. وفى الوقت الراهن فإن التساؤل صار مشروعا عما يمكن أن يحدثه الخليج من تأثير على المسار العام فى مصر. وإذا أردت أن أكون أكثر صراحة فلعلى أتساءل عن حدود السقف السياسى الذى يمكن أن تتحرك فى حدوده مصر المقبلة، فى ظل اعتمادها المتزايد على الدعم المالى الخليجى، خصوصا أن مصادر الدعم الأخرى غير مضمونة إذا ما استمر التوتر الأمنى لفترة أطول. وإذ أكرر بأننى أتحدث عن هواجس وليس عن معلومات فإننى قد أتساءل أيضا هل يمكن لمصر فى ظل ذلك الوضع مثلا أن تسمح بالتظاهر السلمى أو بحرية التعبير وحيوية الحياة السياسية وأن نفتح الأبواب لحق الناس فى المشاركة والمساءلة، فى حين أن ذلك كله مصادر وغير مسموح به فى دول الخليج الحليفة المساندة لها؟ ـ هذا سؤال برىء والله، يحترم دول الخليج وخيارات أهلها، لكنه يعبر عن قلق مواطن يحلم لبلده بوضع آخر، ويتمنى له أن يستعيد عافيته وقَوَامه بحيث يسير على رجليه مرفوع الرأس، لا أن يستمر حيا لكنه ممدد فى غرفة للإنعاش معتمدا على المحاليل والمعونات.

التعليقات