ثمن القوة لا تقبضه الدبلوماسية الأميركية

 ثمن القوة لا تقبضه الدبلوماسية الأميركية

العرب الان

بقلم: هاني عوكل

 

ثمة فرق كبير وهائل بين القوة العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية وبين سياستها الخارجية ودبلوماسيتها التي يبدو أنها لا تتناسب مع حجم هذه القوة التي تمكنت من خلالها واشنطن إعلان القطبية الأحادية بعد نهاية الحرب الباردة أوائل تسعينيات القرن الماضي.

قبل تفكك الاتحاد السوفياتي، لم يكن أحد يلعب في الساحة الدولية بقدر الأولى ومعها الولايات المتحدة، استناداً إلى قوة عسكرية هائلة جعلتهما في موقع الصدارة لقيادة العالم، وبعد سباق على التسلح تمكنت واشنطن أخيراً من البقاء في الساحة الدولية والسيطرة عليها بمنطق البقاء للأقوى.

في القراءات الكثيرة لتفكك الاتحاد السوفياتي، ثمة من يعتبر أن ذلك يعود إلى اقتصادها الذي استنزف تحديداً في الإنفاق المتزايد على التسلح، الأمر الذي أدى إلى كارثة سقوط هذه الدولة التي وضعت كل بيضها في سلة القوة العسكرية دون النظر في مفهوم الدولة الشاملة المتقدمة في كافة المجالات والمحصنة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

لسنا هنا بصدد وضع مجهر على التحولات التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، إنما الهدف من هذا المقال هو تسليط الضوء على السياسة الخارجية الأميركية التي لم تتوفق في قيادة العالم وتحقيق نجاحات واختراقات ملموسة انطلاقاً من حجمها العسكري.

إن الميزانية العسكرية الأميركية تعد الأكبر على الإطلاق في العالم، ويكفي أنها تستحوذ على أكثر من ثلث الإنفاق العالمي على التسلح، إذ نتحدث هنا عن إنفاق يتجاوز 650 مليار دولار على القوة والجهوزية العسكرية الأميركية في العام الواحد، متعديةً بكثير الصين التي تعتبر الثانية على العالم بنسبة إنفاق ربما تتخطى حاجز 150 مليار دولار.

مع كبر الأنياب والمخالب الأميركية، إلا أن قوتها السياسية كانت أصغر بكثير من العسكرية، يتلخص ذلك أولاً في المشهد الأوكراني الذي لم تتمكن السياسة الأميركية من حسمه، وتداعياته الدراماتيكية التي أدت إلى ضم شبه جزيرة القرم وإلحاقها بروسيا، ومطالبات الشرق الأوكراني بالاستقلال كذلك.

ليس هذا في أوكرانيا فحسب، بل إن الملف السوري لم تتمكن السياسة الخارجية الأميركية من حله، وبقي هذا الملف معلقاً فيما يتواصل النزاع بين النظام السوري والمعارضة المشتتة، التي باتت تضعف على حساب الأول وبسبب قلة الدعم الدولي وارتباكه من طبيعة التعامل مع تنوع المعارضة السورية.

موضوع المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية أيضاً لم تستطع الإدارة الأميركية فعل الكثير فيه، وكان يعتقد وزير الخارجية الأميركي جون كيري أنه سيتمكن من الوصول إلى حل جزئي أو مرحلي، لكنه عاد إلى بلاده بخفي حنين.

كيري لم يستطع فرض السلام على إسرائيل، وعانى الكثير من الانتقادات اللاذعة على مستوى قيادات من الصف الأول أمثال شاؤول موفاز وغيره من الساسة، وبدا واضحاً ضعف الدور الأميركي في الوساطة، انطلاقاً من عدم نزاهته واحتكامه لأخلاقيات العمل السياسي، وبسبب ارتهانه للموقف الإسرائيلي.

أما عن التدخل الأميركي المباشر في أفغانستان، فلا يمكن القول إن الإدارة الأميركية حققت النتائج التي تريدها هناك، وقد فشلت تماماً في إدارة الملف الأفغاني، وها هي تعلن انسحابها من هذا البلد أواخر العام الجاري، لكن وكما يقول المثل "رِجلٌ إلى الأمام وأخرى إلى الخلف".

أوباما قال إن هناك حوالي 10000 جندي أميركي سيبقون في أفغانستان بعد رحيل الاحتلال عنها، وأن عددهم سيقل تدريجياً حتى نهاية العام 2016، الأمر الذي يشير إلى أن هناك تخبطا سياسيا وعسكريا وحسابات غير صحيحة في تقدير المواقف الأميركية، والصحيح أن الأخيرة تسعى لإدامة نفوذها في المنطقة.

وإذا لم يكن النجاح حليف واشنطن في الملف الأفغاني، فإنه أيضاً غير موفق في الملف العراقي، حيث احتلال هذا البلد وتدميره كلياً وإعادته إلى الوراء عشرات السنين، وتركه يرزح تحت ضغط الإرهاب ويموج في تخبطاته الداخلية.

وفي الملف النووي الإيراني، استعملت الإدارة الأميركية طوال الوقت سياسة الاحتواء مع طهران لإنجاح هذا الملف الذي يبدو أنه لا يزال معقداً ويسير عكس ما تشتهيه السياسة الأميركية، بالرغم من أنها لوحت بالعصا التي ليست سوى "بروباغندا"، لأنه سيترتب على استخدام القوة الأميركية تداعيات وكلف باهظة.

حتى في الشأن المصري، قدمت واشنطن بشكل سري كل الدعم لجماعة الإخوان المسلمين حتى تتمكن الأخيرة من الحكم هناك، ولم يحالف الحظ هذه الجماعة على البقاء في السلطة، وعادت إلى مربع المعارضة وظلت الولايات المتحدة تقدم موقفاً مرتبكاً في هذا المشهد.

الآن وبعد الاعتماد على العضلات العسكرية، بدأت تدرك الولايات المتحدة أن القوة وحدها لن تحقق ثماراً مفيدة للسياسة، ويبدو أن هناك توجهات لدى الرئيس باراك أوباما لتقديم الجانب السياسي والدبلوماسي على نظيره العسكري.

أوباما في خطابه السنوي عن حالة الاتحاد أواخر كانون الثاني الماضي، ذكر أن بلاده لم تعد قادرةً على الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، وأنها لن تستخدم هذه القوة إلا في أضيق الحدود، وبعده بأسبوع كان يؤكد وزير الدفاع تشاك هاغل على أن الإدارة الأميركية تنوي التحول في سياستها الخارجية والتركيز على الدبلوماسية بدلاً من القوة العسكرية.

هذا التحول دليل واضح وثابت على أن الولايات المتحدة لم تحقق الآتي: أولاً إن تركيزها على الشرق الأوسط تحديداً، جعل دولاً كثيرةً تصعد في آسيا وأوروبا، فهذه الصين باتت تشكل تهديداً حقيقياً للقوة الأميركية، وروسيا عادت من سباتها متحصنةً خلف اقتصاد صاعد وقوة عسكرية متزايدة وتنمو بشكل مُتسارع.

ثانياً: العوائد والمكتسبات السياسية لم تكن إيجابية على الدولة الأميركية التي خلقت عداوات كثيرة من قبل بلدان مختلفة، ففي حين تحولت عن منطقة الشرق الأوسط، بدأت تركز وجودها في منطقة شرق آسيا، لاستكمال تحقيق التوازن الاستراتيجي هناك بعد صعود الصين.

ثالثاً: الكلف العسكرية الباهظة نتيجة التدخلات المباشرة في بلدان كثيرة، أدت إلى تباطؤ الاقتصاد الأميركي وحدوث إرباكات انعكست على الوضع الداخلي، ما يفيد أن الولايات المتحدة بالفعل بدأت تدرك ضرورة الحد من النشاطات العسكرية الخارجية والتركيز على الدبلوماسية وكذلك الحال الشأن الداخلي.

"زبدة" الكلام في هذا المقام، أن العلاقة التي أنتجتها الإدارات الأميركية المتعاقبة على الصعيد الدولي وفي تعاملها المتغطرس مع العديد من الدول، لن تثمر عن عوائد إيجابية تعود عليها بالنفع على الأمد الطويل، والقوة العسكرية المتفوقة حالياً لم تحقق أرباحاً للسياسة الخارجية.

وإذا أدركت واشنطن ولو مؤخراً أن عليها استخدام الغزل والقوة الناعمة لتحقيق مصالحها، فهذا يعني أنها تحاول معالجة وتدارك أخطائها وخطاياها على الساحة الدولية، متحسبةً لدول تصعد وتحضر بقوة على المشهد العالمي، وسيكون لها نصيب في التأثير وفي تشكل النظام الدولي الحالي.

التعليقات