الجزائر… حديقة فرانكوفونية ترفض العباءة الرسمية

العرب الآن - وكالات

كتب: حسام الدين إسلام

 

 

يثير عدم انضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية للفرانكوفونية تساؤلات في الوسط السياسي والإعلامي الجزائري وكذلك بالنسبة للسلطات الفرنسية، حيث تعتبر بعض الأصوات الداعمة أن بقاء الجزائر خارج أسوار المنظمة يعد مفارقة كونها ثالث بلد يتحدث الفرنسية في العالم، في حين يعتقد معارضون أنّ الانضمام يعني الخضوع لفرنسا ولمصالحها.

 

وتشارك الجزائر بصورة منتظمة في قمم المنظمة الدولية للفرنكوفونية (OIF) ومقرها بباريس بفرنسا، منذ قمة بيروت (لبنان) في 2002 كضيف خاص.

 

وكان وزير التعاون الدولي والشؤون الخارجية الجزائري “رمطان لعمامرة” قد مثل الجزائر في جلسات القمة الـ16 للفرانكوفونية بالعاصمة أنتانناريفو بمدغشقر في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 التي عقدت تحت شعار “نمو متقاسم وتنمية مسؤولة: شروط استقرار وفضاء الفرانكوفونية” إلى جانب كل من الرئيس الفرنسي “فرانسوا أولاند” وعدد من دول ورؤساء وحكومات البلدان التي تتقاسم اللغة الفرنسية.

 

ومقابل هذا الحضور الدائم للجزائر في إجتماعات المنظمة، أصدر مجلس الشيوخ الفرنسي في 4 مارس/أذار الجاري، تقريرا حول مستقبل الفرانكفونية في العالم حمل تساؤلات كثيرة حول بقاء الجزائر خارج المنظمة الدولية للفرانكوفونية.

 

واعتبر التقرير بقاء الجزائر خارج المنظمة مفارقة في وقت يعتبر فيه هذا البلد ثالث بلد يتحدث اللغة الفرنسية في العالم

 

قلق فرنسي مغلف بإغراءات 

 

وأشار التقرير الذي أعدته لجنة الثقافة والتربية والاتصال بمجلس الشيوخ الفرنسي أن الجزائر ترى الانضمام إلى المنظمة مجرد فضاء لحصر أعضائها في منطقة للنفوذ “الفرانكو-فرنسي”.

 

وتساءل التقرير المسجل لدى رئاسة المجلس في 22 فبراير/شباط الماضي حسب ما نقلته جريدة “الشروق” الجزائرية (خاصة) كيف للجزائر التي تسجل انتشارا واسعا للغة الفرنسية أن لا تكون عضوة داخل المنظمة العالمية للفرانكوفونية.

 

ووفق التقرير فإن النمو الديمغرافي السريع في بعض دول شمال إفريقيا لاسيما المغرب وتونس والجزائر وزهاء 15 دولة أخرى تحتل فيها الفرنسية مكانة مهمة كتابة وقراءة يعزز مستقبل الفرانكوفونية.

 

وفي ظل رفض الجزائر الإنضمام إلى المنظمة ذهب معدو التقرير إلى القول بأنّ المفهوم الجديد للفرانكوفونية يقوم على وضع اللغة الفرنسية والفرانكفونية معا أداة تقارب وعامل تنمية مشتركة وليس عاملا يطرح مفهوم السيطرة والهيمنة.

 

وحسب الموقع الرسمي للمنظمة العالمية للفرانكوفونية فإنّ الفرنكوفونية تمثل مجالا من أكبر المجالات اللّغوية العالمية، وليست مجرّد تقاسم لغة لأنها تعتمد أيضا على أساس الاشتراك في القيم الإنسانية التي تنقلها اللغة الفرنسية.

 

ويذكر الموقع في تعريفه للمنظمة أنّ الأخيرة تضم 57 عضوا و20 مراقبا من دول وحكومات وهو أكثر من ثلث الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة والتي تضم 890 مليون نسمة من بينهم 220 مليون ناطقا باللغة الفرنسية.

 

استعمار بلون جديد 

 

ويدافع الكاتب ووزير الثقافة الأسبق، الجزائري “محي الدين عميمور” عن رفض الجزائر الانضمام إلى منظمة الفرانكفونية قائلا: ” منظمة الفرانكفونية هي منظمة تندرج في إطار الاستعمار الجديد، وفرنسا تستعمل الفرنسية لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية”. وأضاف “عميمور”: ” بدون اهتمام بمصالحنا نحن (الجزائر).

 

واعتبر في حديث مع “الأناضول” أنّ موقف السلطات الفرنسية، المباشر وعبر مريديها، حتى من بين مواطنينا (يقصد الفرانكفونيين المدافعين عن الفرنسية)، ضد اللغة العربية معروف”.

 

وفي السياق أكدّ أنّ اللغة العربية هي واحد من معالم الحضارة الجزائرية التي تم استرجاعها بثمن غال من الشهداء.

 

ومضى قائلا: ” الجزائر أكبر بلد غير فرنسي يستعمل الفرنسية ولكن على الأقل نحن أبناء جيل نوفمبر (مفجري الثورة التحريرية في العام 1954)، لن نسمح لها بأن تكون “حصان طروادة” داخل أسوار بنائنا السياسي والاقتصادي”.

 

وبالمقابل يشير الكاتب والصحفي الجزائري “طاهر فطاني” أنّ الحديث عن انضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية للفرانكوفونية طرح في الساحة بقوة منذ وصول الرئيس الحالي للجزائر عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، خاصة خلال قمة بيروت بلبنان سنة2002 أين حضرت الجزائر كعضو ملاحظ بوفد ترأسه الرئيس بوتفليقة، كما طرح الموضوع سنة 2008 خلال مشاركة الجزائر في قمة “كيبك” بكندا أين حضرت كضيف خاص.

 

أصوات داعمة وأخرى معارضة 

 

ويعتقد “فطاني” الذي عمل بعدة صحف ناطقة بالفرنسية أنّ موقف الجزائر يقوم على عنصرين أساسيين، الأول داخلي والثاني خارجي. ويقول لـ”الأناضول”: ” العنصر الخارجي ينحصر أساسا في التاريخ الاستعماري بين الجزائر وفرنسا، حيث لازالت فرنسا ترفض الخوض الجدي في ماضيها الاستعماري وفي جرائمها في حق الجزائريين”. واعتبر “فطاني” أنّ هذا الأمر يتصادم مع الموقف الجزائري.

 

وعن العنصر الثاني قال أنّه مرتبط بالأول، خاصة مع تصاعد أصوات النخبة السياسية المعرّبة وكذا العائلة الثورية التي تطالب بـ”نهاية الوصاية الفرنسية على الجزائر” والتوجه نحو فضاء وتكتلات أخرى تمليها العروبة والإسلام.

 

وبرر المتحدث أنّ الداعين إلى هذا الطرح يعتبرون المشروع الفرنسي يرمي الى طمس الهوية العربية-الاسلامية للجزائر.

 

ولفت في السياق ذاته أنّ الرئيس بوتفليقة كان يريد أن يحافظ على التوازنات السياسية الداخلية، بسعيه مع بداية الالفية الجديدة الى استعادة استقرار البلاد. وتابع″ مما يفسر إشراكه للإسلاميين في الحكم، ولا ننسى أن هناك أصوات داعمة لانضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية الفرانكوفونية”.

 

اهتمام “الكومنويلث” بالجزائر 

 

وأوضح فطاني أنّ من بين أهداف المنظمة، بسط النفوذ الفرنسي في المنطقة خاصة عن طريق اللغة والثقافة التي وظفتهما فرنسا خلال الفترة الاستعمارية (1830-1962) لطمس الهوية الجزائرية.

 

وأشار في الصدد ذاته أنّ الجزائر تثير اهتمام منظمة الكومنويلث (اتحاد طوعي مكون من 52 دولة جميعها من ولايات الإمبراطورية البريطانية سابقا باستثناء موزمبيق ورواندا) وهي بذلك -حسبه- تفتح مجال للثقافة واللغة الانجليزية من أجل “مزاحمة” الفرنسية.

 

ومضى قائلا: “لا يمكن لأي فضاء فرض سيطرته علما أنّ التيار المدافع عن العروبة والاسلام، لا يرضى بوضع الجزائر تحت نفوذ لغوي أخر حفاظا على الهوية الاسلامية كما يعتقدون”.